نجم النجوم هو طائر البوبي ذي الأقدام الزرقاء وكأنه يرتدي الاسموكنج وحذاء أزرق ولا ينقصه سوى پاپيون وهذا تجده على شواطيء الجزيرة فوق الصخور، أما طيور الفلامنجو الوردية فهمت أخيراً سر لونها لأنها تتغذى على الجمبري الذي تلتقطه من الماء فيؤثر في المادة الصبغية في ريشها ليكتسب لونه، تذكرت حينها أن هذا التأثير يلقي بظلاله أيضاً على لون سمكة الباربوني كما نسميها في مصر أو سمكة السلطان إبراهيم كما يعرفها أهل فلسطين..
أهدي المقال لروح أخي الكبير رحمه الله -الذي عرفت بنبأ وفاته بعد عودتي من الرحلة- A tribute to the soul of my eldest brother
كنت أود الكتابة من اليوم عن الرحلة الأمازونية الثانية من غابات ياسوني Yasuní بعد تلك القصيرة في البرازيل آنذاك، لكن لاعتبارات كثيرة أهمها وفاة أخي الكبير محمد قررت البقاء للراحة قليلاً ولأعود فقط على طائرة العودة يوم 5 نوڤمبر، راجياً أن تدعوا له بالرحمة والمغفرة وأن يسكنه الله فسيح جناته! وسأحاول الكتابة عن ماحولي أو ما مر بي اليومين الماضيين كي أخرج نفسي من أحزاني، فكل نفس ذائقة الموت وهذه سنة الحياة. أكبر جزيرة هنا هي جزيرة ايزابيلا وعدد السكان في الجزر مجتمعة خمس وثلاثون ألف نسمة أي أن الزواحف هنا وحدها أكثر بكثير من أعداد البشر، سائلهم ومقيمهم فتراها في كل جانب مثلها مثل الطيور أو الثدييات البحرية ولا تخشى الناس وقد تجلس لتستريح على مقعد فترى فقمة تشاركك المقعد فرغم القواعد أن لا تقترب أقل من مترين من هذه الحيوانات لكنها هي التي تتحرك في أي اتجاه وتعتبر وجودك والعدم سواء، فيا مرحب إذاً سأصورها كدليل أنها من تتحرش بي ولست أنا من اقترب منها وسحلية الإجوانا Iguana الضخمة لا تحتاج الذهاب للشواطيء القريبة كي تراها يكفيك التمشية على الماليكون El Malecón شارع الكورنيش لتجدها تسرح أو تقف كالتماثيل وإن كان الجو حاراً فستسمع لها فحيحاً بسيطا وقد تبصق، لذا الإلتزام بالاثنين متر أو حتى متر ونصف على الأقل ضرورية فهي لا تبصق بعيداً كاللاما، لكن نجم النجوم هو طائر البوبي ذي الأقدام الزرقاء وكأنه يرتدي الاسموكنج وحذاء أزرق ولا ينقصه سوى پاپيون وهذا تجده على شواطيء الجزيرة فوق الصخور، أما طيور الفلامنجو الوردية فهمت أخيراً سر لونها لأنها تتغذى على الجمبري الذي تلتقطه من الماء فيؤثر في المادة الصبغية في ريشها ليكتسب لونه، تذكرت حينها أن هذا التأثير يلقي بظلاله أيضاً على لون سمكة الباربوني كما نسميها في مصر أو سمكة السلطان إبراهيم كما يعرفها أهل فلسطين، لكنها تميل للبرتقالي والبصلي أكثر من الوردي ومن النباتات الغريبة، لا أدري هي أسميها فاكهة أم لا, هي عيدان طويلة خضراء تشبه نبات القثاء لكنها عملاقة وحين تفتح شبيهة هذه القثاء بالطول تجدها مرتبة الحبوب وكأنها ثمرة كاكاو من الداخل أو فول أخضر (حيراتي) مغطاة بطبقة اسفنجية بيضاء حلوة هي التي تؤكل وتشبه قليلاً القشدة الخضراء Cheremoya بينما ترمى البذور الأشبه بفولات عملاقة مثل حبات الباچيلا العراقية واحترت في هذا النبات أكثر حينما قالت لي امرأة محلية أن اسمه جيابا Guyaba! وما الجيابا سوى الجوافة باللسان القشتالي! والله يا أهل الكاريبي قبلنا بأن تكون جوافتكم حمراء غير تلك البيضاء والصفراء التي نعرفها لدينا لكن أن تنعتوا هذا النبات العجيب أيضاً بالجوافة فالله المستعان على ماتصفون! أظنهم حرفوا كلمة Guanábana جوانابانا إلى جيابا فالجوانابانا هي ثمة نوع من القشدة الخضراء لكنه شوكي قليلاً بالمقارنة بالقشدة الخضراء Chirimoya المعروفة لدى المصريين والإسپان. لكن صديقتي الپيروڤية أسعفتني باسم جديد لهذه الفاكهة الخضراء بأنه پاكاي Pacay لكن الپاكاي الپيروية أكبر من تلك الجلاپاجونية نسبة لجلاپاجوس. والتاكسي المائي وسيلة مواصلات جيدة تربط أطراف الجزيرة بعضها البعض مريحة وممتعة وزهيدة الثمن بين الخمسين والثمانين سنتاً، لكن لا تندهش إن سمعت المحليين يطلبون منك الأجرة بالسينتابوس فهي الوحدة الصغيرة من عملة السوكره المقبورة مع بداية القرن الواحد والعشرين بسبب الأزمة المالية هنا Sucre = 100 centavos واختفت من الأسواق اللهم إلا بعض عملات معدنية وتعامل نفس معاملة السنتات الأمريكية فالنصف دولار الأمريكية ذات رأس جون كيندي تعامل نفس معاملة الخمسين سنتابوس (نصف سوكره) برأس لوي ألفارو أي رأس برأس، بل إنها لدى معاشر جامعي العملات الخمسون سنتابوس الاكوادورية أفضل لندرتها في كميات السك وصعوبة الحصول عليها أما لو ذهبت لجزيرة ايزابيلا فسيكون التاكسي ايضا لانشات سريعة لكنها مسافة طويلة ومتعبة جدا لو لم تكن ممن اعتادوا ركوب البحر فستشعر بالدوار لا محالة، في البداية استهترت ولم آخذ تحذير منظم الرحلة بأن اشتري حبوب ضد القيء فلقد ركبت البحر بين الأرجنتين والأوروجواي مسافة أطول من ذلك وكذلك في بحيرة تيتي كاكا الجزء البوليڤي على ارتفاع ٦٠٠٠ مترا فوق سطح البحر وكل الرحلات البحرية الأخرى في ألمانيا وزنجبار والدانمارك واستونيا وفنلندا ولم آبه بل حتى أيام الكروزات النيلية (عملي السابق، كمرشد بين الأقصر - اسنا - ادفو - كوم امبو - أسوان) كنت أندهش من احساس الناس بالإعياء وأظنهم يبالغون أو لعلها لرقتهم وترفهم، فلم ينحشروا في حافلة نقل عام قاهرية يوماً أو يركبوا جملاً أما هذه المرة فكنت أعاني ولا العسكري رجب (إسماعيل يٓسٓ في البحرية): عند الذهاب كنت لم أفطر بعد لأن الرحلة بدأت منذ السادسة والنصف فلم أتمكن حتى من شرب قهوة الصباح وعشائي قد صار في مأمن بالأمعاء، بعيداً عن المعدة فدافعت هذ الشعور غير اللطيف والدوار بالنوم وكان هذا علاجاً ناجحاً، لكن في العودة كنت قد تناولت غدائي كجزء من الپروجرام حساء وسلطة وستيك وكانت غلطة اليوم، أني ظننت طالما لم يحدث لي شيئاً في الذهاب سوى بعض الإعياء الخفيف الذي تغلبت عليه بالنوم فلم أحس بمشاكل القيء التي رأيتها في أكثر من نصف من ركبوا فلم ينجو سوى نفر قليل فأمواج المحيط الهاديء عالية وسرعة اللانش كبيرة وبعض المناطق ترتفع من على سطح الماء ثم تهبط دكاً على مقعدتك وكل هذه الملاهي غير الاختيارية ومعدتي قد امتلأت إلى حد ما فكنت أحاول أن أستجدي القيء ولا أستطيع، حتى جُرح حلقي من الكحة المصاحبة لمحاولة القيء الفاشلة ولاحظت أن امرأة محلية من الآفرولإكوادوريون قدمت زجاجة بيضاء بها كحول طبي لرجل وامرأته يبدوان أرجنتينيين وكان الرجل في حال قريب مني وضع شيء منه في يده واستنشق هذا السائل ثم وضع رأسه على فخذ امرأته فتحيرت هل هذا كحولاً أم مخدراً أفقده وعيه؟! ولألم الدوار ومدافعة معدتي القيء رغم استحثاثي له فتجاسرت وسألت المرأة الآفرواكوادورية هل هذا ضد القيء فأجابت بأن نعم لكن استنشق منه بقوة! فأخذته منها وبللت يدي ومنديلي كما أشارت دون تردد واستنشقت بقوة، حتى رأيت حلقات الكحول دينات والإيثيل ماثلة أمام عيني مرسومة على الشبكية غير متوهمة، ولاحظت لأول مرة في حياتي أن الكحول له رائحة نعرفها نعم لكنها بها رومة fragrance note بسيطة تشبه رائحة النعناع القوي إن ركزت في استنشاقه قد تثير شيئاً من دموع لكنها تهديء الشعور بالغثيان، وليس فقط تلك الرائحة المزعجة لارتباطها الثقافي والشعوري الموروث في حياتنا بأشياء مزعجة غالباً كمشروب محرم أو الجروح وتطهيرها أي انه ارتبط في داخل النفس بأماكن أو لحظات غير محببة للنفس كالمستشفيات والحوادث أو الخمارات، وكذلك كانت لحظة قرائتي لپوست نعي أخي عند عودتي بالأمس، للأسف لم تكن متوهمة، فرحمه الله وأسكنه فسيح جناته وألحقه وإيانا بالصالحين، برجاء من قرأها أن يقرأ له الفاتحة ويدعو له بالرحمة والجنة!
Comments